محمد جمال الدين القاسمي

343

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

في بلادهم . لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [ الشعراء : 155 ] ، فلما عتوا وعقروها ، قال : تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ، ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [ هود : 65 ] . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 82 إلى 87 ] وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ( 82 ) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ( 83 ) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 84 ) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ( 85 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ( 86 ) وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ( 87 ) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ أي من حوادث الدهر فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ أي وقت الصباح من اليوم الرابع . وفي سورة الأعراف : فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ * [ الأعراف : 78 ] أي الزلزلة وهي من توابع الصيحة . أو هي مجاز عنها . فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ أي ما كانوا يستغلونه من زروعهم وثمارهم التي ضنوا بمائها عن الناقة ، حتى عقروها لئلا تضيق عليهم في المياه ، فما دفعت عنهم تلك الأموال لما جاء أمره تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ أي إلا خلقا متلبسا بالحق والحكمة الثابتة ، التي لا تقبل التغير . وهي الاستدلال بها على الصانع وصفاته وأسمائه وأفعاله ليعرفوه فيعبدوه ، بحيث لا يلائم استمرار الفساد . ولذلك اقتضت الحكمة إرسال الرسل مبشرين ومنذرين . وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ أي فيجزي كلا بما كانوا يعملون فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ أي عاملهم معاملة الصفوح الحكيم ، كقوله : فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [ الزخرف : 89 ] . وقوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ تقرير للمعاد ، وأنه تعالى قادر على إقامة الساعة . فإنه الخلّاق الذي لا يعجزه خلق شيء ، العليم بما تمزّق من الأجساد وتفرق في سائر أقطار الأرض كقوله تعالى : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ، بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [ يس : 81 ] . وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ قال الرازي إنه تعالى لما صبّره على أذى قومه وأمره بأن يصفح الصفح الجميل ، أتبع ذلك بذكر النعم العظيمة التي خصه بها . لأن الإنسان إذا تذكر كثرة نعم اللّه عليه ، سهل عليه الصفح والتجاوز . ( والسبع المثاني ) هو القرآن كله كما قاله ابن عباس في رواية طاوس . لقوله